علي الهجويري

82

كشف المحجوب

يعبر بصورة فيها مغالاة عن عدم وجود أثر لفكرة الفناء ، ولكن ما دام هناك أثر للبقاء انتفى وجود الفناء ، وإذا تم الوصول إلى الفناء ، فان عبارة « افناء الفناء » ليست إلا مجرد ادعاء ، يتم التعبير عنه بألفاظ لا معنى لها ، وهذه ترهات أرباب اللسان عند حب العبارات . وقد قمت في فترة غرور الشباب بكتابة مؤلف في هذا الموضوع عنوانه « كتاب الفناء والبقاء » ولكني سأقوم بعرض الموضوع كله في هذا الكتاب بكثير من الحذر إن شاء اللّه . هذا هو الفرق بين الصفاء والفقر بمعناها الروحي . ويختلف هذا إذا نظرنا إليهما من الناحية العلمية ، أي عند التجريد ، وخروج الإنسان عن كل ما يملك فهنا النقطة الحقيقة ، هي الفرق بين الفقر والمسكنة . ويؤكد بعض المشايخ أن الفقر أعلى قدرا من المسكين ، لأن اللّه تعالى قال : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ « 1 » فالمسكين لديه مما يقيته ما يتجرد عنه الفقير ، ولهذا فان الفقر مفخرة ، والمسكنة إذلال ؛ إذ أن أهل الطريق يرون أن من يمتلك وسائل العيش ذليل ، ويستشهدون بقول النبي عليه الصلاة والسلام : « تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميصة والقطيفة » « 2 » ومن يتجرد عن وسائل العيش ينال من الشرف ما يناله المتوكل على اللّه . أما من لديه هذه الوسائل فإنه يعتمد عليها . ويرى آخرون أن المسكين أفضل ، لأن النبي قال : « اللهم أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 273 . ( 2 ) رواه البخاري .